Top Logo
English | Français | بالعربية
أنت الآن فى قسم مقالات

مقالات

Egypt

نص مبادرة الإسكندرية
عبد الرحيم علي- إسلام أون لاين.نت/ 10-3-2004

 

فيما يلي نص الوثيقة التي طرحتها مكتبة الإسكندرية للنقاش بالمؤتمر:

 

إذ تدعو مكتبة الإسكندرية إلى عقد هذا المؤتمر الكبير، حرصا منها على تأكيد التوجيهات الواعدة لمستقبل أمتها، فإنها تعترف بالجهود المتعددة والمتميزة التي بادر بها آخرون، والتي أسفرت عن اجتماعات الدوحة وجدة وصنعاء في يناير 2004، وكذلك سلسلة الاجتماعات التي عقدت تحت رعاية مجلس الأعمال العربي في القاهرة (سبتمبر 2003) ودبي (أكتوبر 2003) والعقبة (ديسمبر 2003) والرياض (يناير 2004).

ونحن نهدف بعقد مؤتمرنا إلى الانطلاق من الجهود السابقة، واستكمالها، واضعين في الاعتبار عدم التكرار، ساعين إلى دفع قوى الإصلاح على قدر المستطاع.

إن الإصلاح يجب أن يكون شاملاً، واسع المجال، يتناسب وتحقيق الهدف المزدوج الذي يتيح الفرصة لكل مجتمع عربي كي يدفع خطوات الإصلاح الخاصة به إلى الأمام، وفي الوقت نفسه يرسخ الأسس لإطار تعاون إقليمي قوي، يجعل من العالم العربي كيانا أكثر أهمية على الصعيد الدولي، فيتحول من مجرد مجموع الدول التي يتكون منها إلى كيان فاعل يستمد قوته من تفاعله.

كما أن الإصلاح الداخلي ينبغي ألا يحجب عن منظورنا أهمية معالجة القضايا الإقليمية التي تفرض نفسها على جدول أعمالنا وأولوية شعوبنا، وفي مقدمتها الحل العادل للقضية الفلسطينية طبقا للمواثيق الدولية، بما يضمن إقامة دولتين، كما تقضي خريطة الطريق، واستقلال العراق والحفاظ على وحدة أراضيه، وحل المشكلات الحدودية بين الأطراف العربية المتنازعة بالطرق السلمية، من دون أن تكون هذه المشكلات ذريعة للتدخل الأجنبي في شئون المنطقة أو وضعها تحت الوصاية من جديد؛ لأن شعوبها بلغت من النضج والخبرة التاريخية، ما يجعلها قادرة على تنظيم أمورها وإصلاح أوضاعها الداخلية.

وقد دفعنا ذلك إلى التفكير في أربعة محاور رئيسية: محور الإصلاح السياسي والمؤسسي (ويشمل بصفة خاصة الديموقراطية والمجتمع المدني)؛ والإصلاح الاقتصادي؛ والإصلاح الاجتماعي، وأخيرا الإصلاح الثقافي، وننوي ـ إضافة إلى ذلك ـ تصميم آلية تساعد على جعل المؤتمر بداية للجهود المستمرة للمجتمع المدني العربي، تلك الجهود التي تضمن المتابعة الفعالة لتوصيات المؤتمر، وبما يؤدي إلى تحقيق خطوات عملية على أرض الواقع في كثير من بلداننا العربية، ويحدث ذلك حين نشرك معنا صناع القرار، ونقف معاً لمواجهة تحديات القرن الجديد.

ويولي المجتمعون اهتماما خاصا لقضيتين:

1) عمالة الشباب:

مع الزيادة المطردة للسكان يجب على العالم العربي أن يخلق الملايين من فرص العمل سنويًّا؛ فظاهرة وجود عشرات الملايين من أنصاف المتعلمين من الشباب بلا عمل ظاهرة تسبب القلق، ليس فقط لما تمثله من قنبلة موقوتة سياسيا واجتماعيا، ولكنها أيضا -وهذا هو الأخطر- تعني وجود مهارات ضائعة غير مستغلة وملايين من الشباب المحبط.

2) أوضاع المرأة:

لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم إذا تجاهل مهارات نصف أفراده وإسهاماتهم، وهناك دلائل عديدة تشير إلى أن تعليم الفتيات وتشجيع المرأة أمر جوهري لأي تقدم اقتصادي واجتماعي، ومما لاشك فيه أن المرأة العربية تلعب الآن دوراً متزايداً في الحياة العامة، ولكن ما زال هناك الكثير الذي يجب القيام به في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية وصورة المرأة في الإعلام مع زيادة فرص المساواة في العمل والحوافز المادية.

المحور الأول: الإصلاح السياسي والمؤسسي ودور المجتمع المدني:

- الديموقراطية والإصلاح السياسي:

إن الديموقراطية -أي وجود حكومة منتخبة من قبل الشعب لخدمة الشعب- هي الوسيلة والهدف الذي يرجوه كل المواطنين، والديموقراطية مكون أساسي لتطور أية دولة.

ورغم أن النمو الاقتصادي قد يتحقق في ظل أنظمة الحكم الفردي، فإن التقدم الحقيقي يتطلب المشاركة والتفاعل والتغيير على نطاق واسع لا يمكن تحقيقه إلا بموافقة المحكومين وإجماعهم، ما يبرز أهمية التربية السياسية وتوفير سبلها من دون عوائق، وذلك بالاستيعاب الكامل لحقوق الإنسان التي تكفلها التشريعات والمواثيق الدولية، الأمر الذي يتطلب حملة كبرى لمحو الأمية بالمعنى السياسي والقانوني لتعريف المواطنين البسطاء بحقوقهم المشروعة، وليست ممارسة الديموقراطية إلا تعلم كيفية الحياة مع الآخرين، واحترام التعددية بين الأفراد، والتعامل مع الخلافات بشكل متحضر، وهي أيضا قرارات الغالبية التي تحترم حقوق الأقليات في إطار المساواة بين الجميع أمام القانون.

ويحاول العالم العربي اليوم أن يبلور سبل تطوير وفاعلية المؤسسات الديموقراطية، ولكن سيطرة بعض الفئات على العمل السياسي في كثير من الدول العربية خلقت شعورا بالاغتراب بين كثير من الشباب، وأدت إلى نشأة دعوة لإصلاح المؤسسات السياسية لضمان المزيد من المشاركة والشفافية والقدرة على تحمل المسئوليات.

ويتجه الإصلاح السياسي بصفة عامة نحو التركيز على الانتخابات والتمثيل السياسي وفاعلية الأحزاب السياسية، ما يتطلب تعويد الأجهزة الأمنية على احترام إرادة الجماهير والالتزام بالقانون ومنعها من التدخل في الشأن السياسي، وكذلك دور الإعلام والعلاقة بين أجهزة الدولة المختلفة، ولكن هناك الكثير من الأسئلة الشائكة التي يجب مواجهتها مثل تحديد فترة الحكم والدور الصحيح للدين في الحياة السياسية وكيفية استبعاد استغلاله لإضفاء الشرعية واستقطاب الأصوات بإتاحة الحرية الحزبية الكاملة ومشاركة المرأة والأقليات بصورة منصفة في الحياة السياسية، وبالطبع، ليس هناك حل واحد يصلح لجميع المواقف، وذلك على نحو ما نرى من المناقشات الحالية في الدول الغربية الديموقراطية، ولذلك على كل دولة أن تضع خطة العمل الخاصة بها، وأن تشرك المجتمع المدني في وضع هذه الخطة، على طريق الإصلاح المؤسسي الذي يعمل على تمكين المجتمع المدني من أن يلعب دورا أكبر في الحياة السياسية، لإنهاء حالة الاغتراب السياسي التي تعيشها شعوبنا نتيجة حرمانها من المشاركة في القرار السياسي.

- الإصلاح المؤسسي:

يتسم الحكم السليم بالشفافية والمسؤولية والتعددية المؤسسية، كما يتسم بالمشاركة وسيادة القانون وحرية تدفق المعلومات، وهذه هي المفاصل الأساسية التي تضمن البداية الجدية للإصلاح وتشير إلى تخلي السلطة عن احتكاراتها المعهودة واستعدادها لتنفيذ آليات التداول السلمي في إطار القانون، وتعني التعددية المؤسسية أننا يجب أن نشرك قطاعا ثالثا مع الحكومة والقطاع الخاص، ويتمثل القطاع المقصود في المؤسسات والجهات المانحة والمجتمع المدني، بالإضافة إلى الاتحادات التجارية والنقابات المهنية والمجتمع الأكاديمي والبحثي، ويمكن اعتبار مؤسسات الجامعة العربية مظلة تلتقي عندها الأنشطة المدنية والمشروعات الحكومية في تناسق متكامل.

إن بحث الأطر التنظيمية، التي يمكن أن تحقق ذلك، غالبا ما يتم إغفاله في مناقشات الإصلاح، وتحتاج أسواق المال ورؤوس الأموال إلى تنظيم ومتابعة مرنة ولكن صارمة في الوقت ذاته، كما أن الخصخصة تلزمها شفافية وفاعلية، وليس بالأمر السهل معرفة الفارق بين السياسات القائمة نظريا والواقع القاسي الذي تتم فيه المعاملات الاقتصادية والصراعات الاجتماعية، فالربط بين النظرية والتطبيق مهمة كبيرة تتعدى مجرد الحماس الأيديولوجي والمعتقدات المبسطة، إن التحول السياسي للمؤسسات القادرة على تفعيل النظام الاقتصادي الجديد وتحقيق العقد الاجتماعي الجديد يحتاجان إلى قدر كبير من الجدل والخبرة، مثلما يحتاج البعدان الاقتصادي والاجتماعي لخطة العمل المشار إليها.

- تهيئة البيئة الملائمة للمجتمع المدني:

إن دور المجتمع المدني في العالم العربي ـ بعد الإصلاح ـ هو دور بالغ الأهمية بكل المقاييس، كما أن عملية تشجيع التعددية المؤسسية في البيئة الملائمة الجديدة ـ بعد الإصلاح ـ ذات فائدة كبيرة إلى أبعد حد، فالآليات التي تقوم بتنمية المجتمع المدني معقدة ومتشابكة؛ ولذلك يحتاج هذا المجتمع إلى «بيئة ملائمة»، ويتضمن هذا التعبير القرارات والإجراءات القانونية والمالية والإدارية والسياسية؛ كما يستلزم فلسفة جديدة لعلاقة الفرد بالدولة، فالمواطن يجب أن تكفل له كل حقوقه وأن يكون له صوت مسموع، وحرية في الاختيار، ومشاركة فعالة في صنع القرار.

- الإطار القانوني:

إن الإطار القانوني لهيئات المجتمع المدني هو عصب أية حركة مدنية، فإذا شعرت الهيئات المدنية بإمكانية وصفها بأنها غير قانونية أو أنها يمكن أن تتعرض للمساءلة القانونية حين تشرع في العمل فإنها ستحد من نشاطها، بل يمكن أن تخضع نفسها إلى رقابة ذاتية، ما قد يضر بالدور الاجتماعي الذي تقوم به، وفي هذا السياق، فإنه من المهم أن تكون دولة القانون هي السائدة بالفعل، وذلك نتيجة تفعيل القوانين ووضعها موضع التنفيذ، إن كانت موجودة، أو سنها وتشريعها، إن لم تكن موجودة، كما أنه من المهم أن نفرق بين مؤسسات المجتمع المدني التالية:

- المؤسسات المختصة بالتنمية.

- المؤسسات التي تعمل على زيادة الوعي العام.

- المؤسسات الرقابية.

- المؤسسات الاجتماعية

- تبسيط الإجراءات:

تحتاج البيئة الملائمة إلى إجراءات تسجيل سريعة وسلسة؛ ما يستوجب ألا تجبر المنظمات غير الحكومية الدولية على التسجيل، بوصفها هيئات استثمارية، خاصة أن القوانين لا تقدم لها الحماية المثلى للأموال التي توفرها.

- الفحص الإستراتيجي:

هذا الفحص هو الخطوة المكملة لتبسيط الإجراءات، ويعني هذا أن الفحص السريع المدروس الذي يتم على فترات يكون أكثر فاعلية من التقارير البيروقراطية التي لا توفر المعلومات الكافية لتحقيق المتطلبات الأمنية الدولية.

ويعد تحقيق هذا التنظيم بصورة فعالة التحدي الأهم في العالم العربي بعد الإصلاح السياسي، فهو الحد الفاصل بين التدخل والجهل، بين البيئة المعيقة والبيئة المشجعة، فالولايات المتحدة ذاتها تواجه حاليا هذه الأسئلة حول المخاوف المتعلقة بالتصدي للإرهاب وتلك الخاصة بالحق في الخصوصية في إطار الإجراءات القانونية، وقد نستعين هنا بالوسائل التي اتبعها الأوربيون لحل مشكلات الحركات الانفصالية.

- الضوابط المالية:

من القضايا الشائكة الخاصة بالمجتمع المدني قضية حصول هيئات هذا المجتمع على الدعم المالي من جهات أجنبية؛ وهو موضوع يجب علينا أن نتطرق إليه بهدف الخروج بتوصيات واضحة بشأنه، إلى جانب البحث عن أجوبة لتساؤلات مثل:

ماذا عن الدعم المادي العربي؟ وماذا عن التعاون مع منظمات غير حكومية أجنبية؟ خاصة لأن الحاجة إلى هذا الدعم الخارجي واقعية وضمنية، وما دامت تتم بشفافية في ظل القوانين المعمول بها ونظائرها في العالم، فإنها لا تمس مصداقية مؤسسات المجتمع المدني، بل تعينها على القيام بعمليات البحث والتدريب المنوطة بها.

- مناخ سياسي قائم على الشفافية والمساءلة:

إن المناخ السياسي الذي يتسم بالشفافية والمساءلة هو الذي يميز بين حركة المجتمع المدني الحقيقية الفعالة والهيئات الشكلية الموجودة على الورق فقط، ومن ثم؛ لا مناص من أن مثل هذا المناخ السياسي المتسم بالشفافية والمساءلة لا يكتمل إلا إذا قامت الحكومة بالإصلاح السياسي في هيئاتها وفي الأحزاب السياسية القائمة، فالإصلاح الحكومي أمر ذو أهمية جذرية لخلق المجتمع المدني الحيوي الذي نرجوه، وعندما يبدأ الإصلاح السياسي، وتبدأ منظمات المجتمع المدني في العمل، فإنهما سيدعمان بعضهما البعض، ذلك لأن مصداقية الحكومة أمر جوهري لأي جهد إصلاحي.

- حرية التعبير والمشاركة واللامركزية:

حماية حرية التعبير مسألة ضرورية في الأوقات التي تتسم بزيادة التعصب، كما هي الحال في أماكن كثيرة في الشرق الأوسط اليوم، كذلك فإن المشاركة واللامركزية من أهم عناصر بناء المجتمع المدني في أية دولة، إذ هما بمثابة الصمغ الذي يساعد على تماسك المجتمعات وتلاحمها، وهما مفتاح خلق المناخ المشجع الذي يمكن المجتمع المدني من المشاركة في الحوار وصنع القرار، ومع وجود دور فعال للمجتمع المدني تتاح الفرصة للمشاركة المباشرة للأفراد في صنع القرارات المؤثرة في حياتهم، بالإضافة إلى حق الأفراد في الاجتماع وتكوين الجمعيات المدنية المختلفة ذات الأهداف السياسية والاجتماعية والثقافية بطريقة واضحة منظمة، من دون حاجة للتحايل الإجرائي واعتبارهم مؤسسات استثمارية أو جمعيات خيرية، كما يجب تأكيد المزيد من اللامركزية التي تساعد على تقريب الحكومات من القاعدة العريضة للشعب، وتتيح فرصة أكبر للمشاركة الشعبية في صنع القرار، فاللامركزية والمشاركة وحرية التعبير كلها عوامل أساسية فيما يتعلق بالإصلاح السياسي ككل.

الخلاصة:

تحتاج الأوجه العديدة للإصلاح السياسي والمؤسسي والبيئة الملائمة للمجتمع المدني إلى مناقشة واسعة، كما تفرض مواجهة قضايا كثيرة، كما هو مبين أعلاه، وفي الوقت نفسه فإن تشجيع الديموقراطية والمشاركة الجماهيرية أمران جوهريان يجب أن يصدر عنا تصريحات واضحة بشأنهما، شأنهما في ذلك شأن الضرورة الملحة التي تفرض بلورة آراء محددة عن التمويل والتعاون عبر الحدود.

المحور الثاني: الإصلاح الاقتصادي:

يلاحظ أن هناك فجوات قانونية خطرة في عمليات الانفتاح الاقتصادي في الوطن العربي أدت إلى تسهيل الاحتكارات ومنح الامتيازات لبعض القطاعات دون غيرها، كما أنه من الملاحظ أن مجموعة السياسات المقترحة من قبل كل من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية - وهو ما يتعارف عليه اختصاراً بـ«منهج واشنطن في الإصلاح» Washington Consensus ـ والذي يركز بالأساس على تحقيق الاستقرار الكلي، وخفض معدلات التضخم إلى الحد الذي كانت تصور به على أنها تمثل ثالوث: الاستقرار، والخصخصة، والتحرر الاقتصادي، لم تُعط هذه السياسات انتباهاً كافياً لموضوعات أخرى لا تقل أهمية كالبطالة، وتوفير الخدمات الاجتماعية، حيث يتمثل المقصود بهذه السياسات -في المقام الأول- في إزالة التدخلات الحكومية في الأسواق المالية وأسواق رأس المال، والمعاملات التجارية.

وغالباً ما تستخدم هذه السياسات بوصفها معيارا لقياس مدى تقدم الإصلاح الاقتصادي في العالم العربي، لكن عددا من الدول العربية حاول اتباع منهج مغاير بعض الشيء للإصلاح الاقتصادي.

وفي عالم عربي شاب وناهض، كما نأمل، حيث يبرز عالم الاقتصاد القائم على المعلومات في القرن الواحد والعشرين، لا بد أن تكون عمالة الشباب وجودة التعليم وجودة الخدمات الاجتماعية الأخرى من العناصر الأساسية في مفهوم الإصلاح، وفي إطار السياسات الاقتصادية يتم تحديد الأولويات وترتيبها على أن ترتبط هذه الأولويات بالجوانب غير الاقتصادية للسياسة الاجتماعية، والإطار المؤسسي اللازم لتحقيق الإصلاح الشامل بجانبيه الاقتصادي والاجتماعي.

وعلينا أن نتجاوز التعميم، ونؤكد أن الاهتمام يجب أن ينصب على مجموعة القضايا التي تنمي الاستثمار الخاص، وتدفع النمو الاقتصادي، وتخلق فرصا للعمل وللحياة الكريمة، في إطار التنمية المستدامة للرجل والمرأة على حد سواء، ويترتب على ذلك ضرورة تركيز المحور الاقتصادي على ثلاثة أوجه للإصلاح الاقتصادي.

- الإصلاحات على صعيد الدولة الواحدة:

يتمثل الأسلوب المتبع هنا في دراسة تخضع فيها كل حالة لعملية فحص دقيقة في إطار تحليلي مشترك، مع إعطاء أهمية خاصة لعمالة الشباب والإصلاح في التعليم، على أن يكون المخرج النهائي هو مجموعة من السياسات الأكثر ملاءمة (متضمنة التتابع والتوقيت) التي تستطيع الدول المختلفة تبنيها، حيث إنه من الطبيعي ألا تناسب مجموعة معينة من السياسات جميع الدول العربية، فما يناسب مصر قد لا يتناسب مع اليمن أو المملكة العربية السعودية مثلاً.

- عمل إقليمي جماعي:

تتركز المناقشات في هذا الجزء حول تحديد مكونات العمل الجماعي، التي لا بد من التنسيق فيما بينها، وذلك لتجنب عدد من المشكلات الإقليمية، ومن الممكن أن يكون أحد الأسئلة المطروحة -على سبيل المثال- هو: هل هناك إصلاحات معينة مطلوبة في القطاع المالي، بهدف تفادي انتقال الآثار المعدية من دولة إلى أخرى، كما حدث في أزمة جنوب شرق آسيا في العام 1997؟ وما الخطوات المطلوب اتخاذها من أجل تحويل السوق العربية المشتركة، التي طال انتظارها إلى حقيقة واقعة؟

- دمج العالم العربي في الاقتصاد العالمي:

ويتم هنا تناول العلاقات التجارية بين الدول العربية وباقي العالم، وهي علاقات يمكن أن تربط الدول العربية في إطار منطقة تجارة حرة عربية، وتربط كذلك العلاقات التجارية بين الدول العربية والعالم الخارجي، ومن الممكن أيضا أن تربط هذه العلاقات العالم العربي بأسره في إطار منظمة التجارة العالمية، أو غيرها من مناطق التجارة الحرة.

المحور الثالث: السياسات الاجتماعية:

إن عناصر السياسات الاجتماعية البعيدة كل البعد عن الآثار الاجتماعية للسياسات الاقتصادية تتضمن الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتدعيم المساواة، والحفاظ على الهوية الثقافية المبنية على القيم الإنسانية المشتركة والتضامن، وليس على الانتماءات الفرعية التي تؤدي إلى التفكك، هذا بالإضافة إلى التعرض للخدمات الاجتماعية (التعليم، الصحة، الإسكان، إلخ)، ومن المهم مناقشة النقاط التالية، فضلا عما ذكرناه من قبل بشأن عمالة الشباب وأوضاع المرأة.

- التعليم،، وبناء القدرات على البحث،، والتطوير في العلوم والتكنولوجيا:

وهو أحد المتطلبات الرئيسية من أجل التعامل مع التحدي العالمي، الذي يفرضه التحول نحو المجتمعات القائمة على المعرفة، وهو التحول الذي تتسارع وتيرته بفضل التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والحاسبات، صحيح أن تلك التكنولوجيا يمكن أن تسهل على الدول النامية مهمة اللحاق، بركب الدول المتقدمة، لكنها في الوقت نفسه قد تسبب عدداً من المشكلات فيما يتعلق بتكاليف الاتصال، والقيود المفروضة على البحث والتطوير في الدول النامية، في ظل نظم حقوق الملكية الفكرية، وهو الأمر الذي يفرض علينا ضرورة المراجعة الشاملة للنظم التعليمية، وإعادة هيكلة المؤسسات البحثية، وتوفير الدعم المادي لها بحيث تحتل أولوية قصوى في الإطار الاجتماعي والأكاديمي.

- الخدمات الصحية والبشرية:

من الممكن أن تلعب عوامل مثل نشر الوعي الصحي، وتكثيف الأبحاث عن الأوبئة المستوطنة، واتباع الإجراءات الوقائية دوراً محورياً في تحديد الأولويات الصحية لشعوب المنطقة التي تتزايد باطراد، وفي هذا الإطار تبرز أهمية تناول موضوعات مثل القدرة على الوصول إلى التجمعات النائية بهدف نشر الوعي هناك، حتى فيما يخص بعض الموضوعات التي قد تكون ذات حساسية خاصة، كمرض نقص المناعة المكتسبة، والصحة الإنجابية، وتنظيم الأسرة، على أن يكون هذا التناول مراعياً للخصوصيات الاجتماعية والثقافية.

- شبكات الأمان الاجتماعي:

من الصعب التحدث عن الإصلاحات في السوق من دون التعامل مع بعض المخاوف، مثل العمال المشردين والآثار المحتملة لدورات السوق على ظروف العمل والإدارة الجيدة للتأمينات الاجتماعية والمعاشات، ولا تنفصل الإصلاحات التي تهدف إليها عن ضرورة التعامل بنظرة أكثر استنارة وشمولية مع بعض المفاهيم، مثل إتاحة الفرصة للمشاركة الشاملة من الفئات المختلفة في المجتمع في إصلاح السوق، كما يجب تأكيد سيادة القانون في كل الممارسات الاجتماعية والاقتصاية واقتصار الدور الأمني على تهيئة المناخ الملائم لذلك من دون تجاوزات.

- المحور الرابع: الإصلاح الثقافي:

إن الإصلاح الثقافي هو الخطوة الأساسية نحو الإصلاحات الأخرى، فالاتجاه نحو التقدم والحداثة وطبيعة هويتنا -في عالم تتسارع عولمته بصورة فائقة- يتطلب نظرة نقدية ثاقبة، وتقييما دقيقاً للاتجاهات الماضية والمستقبلية، والواقع أن جميع الإصلاحات يستحيل صياغتها أو تطبيقها من دون تحول جذري في التوجه الثقافي للأفراد والمجتمعات على السواء.

يجب أن نناقش تجديد الخطاب الثقافي في العالم العربي في ظل هذا المحور الحيوي وعلينا أيضا أن نناقش تحرير أطر الوعي الثقافي والإبداعي من العقبات التي تعوق حرية حركتهما، كما يجب تحرير وسائل الإعلام من سيطرة السلطة كضمانة لمراقبة الشفافية المطلوبة في الأداء المدني والحكومي لتقوم بدورها في إشاعة ثقافة الديموقراطية ونشر سبل التربية السياسية الحرة من دون عوائق، كذلك ينبغي أن نستند إلى العلم، ونجعل النظرة العلمية مكوناً أساسيا من مكونات الثقافة، ولن يتم هذا إلا بتحديث مؤسساتنا الثقافية وصياغة أسس جديدة للنشاط الثقافي والبحث عن آليات وسبل