المقالات
العراق
حوار مع القاضي العراقي المخضرم الدكتور زهير كاظم عبود
قضاء يحكم ويحاكم في عراق محتل ؟؟
لافا خالد
29\1\08
مشوار بدا طويلا ممتعا ومتعباً مع القضاء العراقي ولكن لا يأس في عراق كان مشرع لأول قانون سنته البشرية بتشريع حمو رابي ,لا يأس في عراق عاش حروباً طويلة , ما يجري على أرض الرافدين مخاض صعب ولكن العراق سينتصر مهما بلغت التضحيات ,والقضاء سيقول كلمته بحق الجناة كل الجناة , لأن الباطل لن ينتصر أبدا والمجرم لا يمكن له أن يسود في عراق اليوم ولعبة الأمم عليها أن تجد ساحة أخرى لتصفية حساباتها حينها سيعود العراق صافيا ,وستنتشر الديمقراطية فيه مثل شعاع الشمس, ويتسلل الأمل لبيوت كل العراقيين و ترحل الطائفية مع رؤوسها, الجراح لن تستمر طويلاً نحن واثقون من قضائنا الذي سيكون الفيصل في عراق يلد من جديد
حاكمنا بالأسئلة تجربة القاضي العراقي المخضرم في سلك القضاء قبل وبعد سقوط النظام العراقي عبر الحوار التالي :
لافا خالد : لنتكلم قليلاً عن تجربتك في سلك القضاء كيف تقييم مشوارك الطويل ولما حاكمت القضاء العراقي بعدم النزاهة وكنتم أحد أركانها ماذا اليوم عن قضاء يحكم ويحاكم في عراق محتل ؟
ج : القضاء العراقي في زمن النظام السابق كان قضاء مهمشا ومقيدا ، وتم تحديد عمله ومنع من التدخل في قضايا كثيرة ، وتم سلب اختصاصه الوظيفي وتم تحويله من مؤسسة فاعلة ومستقلة إلى مؤسسة تابعة تخدم أطرافاً معينة كل ذلك أدى إلى إفقار القضاء العراقي ومنع الإبداع القانوني والتطور الفقهي والقانوني لدى القضاة ، بالإضافة إلى تقييده عمل القضاة وفق قوانين وأوامر لا علاقة لها بالعدالة ولا بالمنطق فكانت المحاكم الاستثنائية ( محكمة الثورة والأمن العام والأمن الخاص والمخابرات والاستخبارات واللجنة الاولمبية ) على سبيل المثال ، هذه المحاكم تنظر في قضايا مواطنين مدنيين تمس الأمن الداخلي وقضايا تتعلق بشتم الرئيس أو عائلته والسلطة والبعث ، وكانت تقضي بالإعدام أو السجن مدد طويلة غير أنها لم تكن تتبع القضاء العراقي ولا يترأسها قضاة حقيقيين ولا تلتزم بالقوانين العقابية ولا بأصول المحاكمات الجزائية ، ولا بطرق الطعن المقررة قانونا ، حيث أن قراراتها قطعية واجبة التنفيذ فورا ، وكان القضاة يعانون من شظف العيش وقلة الموارد في زمن الحصار بالإضافة إلى الضغوط النفسية الكبيرة التي يعانيها القاضي في ظل حكم الدكتاتورية وسلطة الأمن والمخابرات والأمن الخاص ، وفي ظل تلك الظروف كانت معاناة القضاء العراقي معاناة كبيرة ، ولم يصدر القضاء العراقي حكما في أي قضية سياسية أو ضد أي متهم عراقي واحد في تلك القضايا ، إنما كان محصور ضمن إطار القضايا الجنائية الاعتيادية والقضايا المدنية حصرا
لافا خالد : ولكنك ألم تكن جزءً من تلك المنظومة التي تشكلت في عهد النظام السابق ؟
ج: كنت جزء من تلك المنظومة وفي نفس الوقت جزء من المعاناة ، وبقي العديد من القضاة صامدين بصمت والنزاهة تتعلق بقيم ومعايير كل إنسان ، ولكل تاريخه ولعلي مقتنع ضميريا بما أديت من واجب إنساني وأخلاقي وفقا لمعايير القيم والمبادئ التي أؤمن بها ، هناك ضغوط عديدة ليس مباشرة في أحيان كثيرة ، وقد أغنتني تجربة القضاء العراقي وزادتني خبرة وثقافة ، فقد عملت في المحاكم كاتبا للضبط ثم معاونا قضائيا ثم عملت محققا عدليا ، وتمكنت من الاستقالة والعمل في المحاماة ، وهى مهنة ممتعة ورائعة
لافا خالد : ماذا عن رحلة الاغتراب وممارسة دورك كقاضي في منافي أوربا؟
ج: بحكم المضايقات لجأت إلى دولة السويد كنت بحاجة إلى لغة قانونية حاولت معها الدولة السويدية زجي في المجال القضائي دون جدوى ، حينها كنت منشغلا بهموم التخلص من الطاغية والمساهمة في العمل المعارض حيث لجأت في العام 1999 ، وتفرغت للكتابة وفضح النظام ، لم انس اختصاصي غير أن بواعث وكوامن ظهرت لعلها كانت غافية في روحي فعدت إلى الكتابة لأنجز اكثر من 20 كتابا ، ولم أزل أتعلم واجبي في المجال الثقافي ، وانأ عضو في اتحاد الكتاب العراقيين في السويد وعضو اتحاد الكتاب في السويد ، وأقوم بتدريس مادة العقوبات في كلية القانون بالأكاديمية العربية بالدنمارك .
لافا خالد : ماذا عن تجربة القضاء العراقي بعد سقوط النظام ؟
ج: الوضع في عراق اليوم مختلف تماماً ,ينظم عمل القضاء العراقي حاليا قانوناً يسمى ( قانون التنظيم القضائي ) ، يحكم آلية تعيين القضاة ودرجاتهم وأصنافهم وشروط تبوءهم المراكز القضائية ومحاسبتهم وعزلهم وأحالتهم على التقاعد ، وهذا القانون يحدد عمل مجلس العدل السابق الذي تحول أسمه إلى مجلس القضاء الأعلى بعد سقوط النظام ، وقد أورد الدستور العراقي نصوصاً تعزز استقلالية القضاء العراقي ، منها أن السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفقاً للقانون ، وأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير القانون ، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة ، وتتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الأشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الأخرى التي تنظم وفقاً للقانون .
كما منع الدستور منعاً باتاً إنشاء المحاكم الخاصة والمحاكم الاستثنائية، كما منع الدستور أيضاً عزل القضاة إلا في الحالات التي يحددها القانون.
لافا خالد: لنبدأ ملف محاكمة صدام , قيل إنك طالبت بنقل المحاكمة للخارج ؟ ألم يعطي ذلك بعدا في التشكيك بقدرة الحكومة القائمة في ضمان نزاهة المحاكمة ؟ ومن ثم التشكيك بالقضاء العراقي , أم أطروحتك بنقل المحاكمة للخارج لها أبعاد , كيف تقييم واقع القضاء العراقي اليوم وتجربة قضاتها في ظل التدهور الكبير في مختلف أبعاد الشأن العراقي ؟
ج : أنا لم أطالب بنقل محكمة صدام إلى الخارج ، بالعكس فأنا ضد هذا التوجه ، النقل يعني سلب اختصاصنا القضائي الوطني ، والنقل يعني تخليص صدام من جرائمه ، والنقل يعني المماطلة وموت الحقيقة والحق ، والنقل يعني انتصار إرادة أعداء العراق على العراقيين ، المحكمة الجنائية العراقية المختصة لها القدرة على انجاز صفحة المحاكمات ، مثلما لها ايجابياتها غير أن لها سلبيات عديدة ،وأشار الدستور العراقي إلى عمل المحكمة الجنائية العراقية العليا بوصفها هيئة قضائية مستقلة بالنظر في جرائم النظام السابق ، ومنح الدستور لمجلس النواب صلاحية إلغاؤها بقانون بعد أكمال أعمالها ، وقد أشار قانون المحكمة في الفقرة ثالثا من المادة السادسة منه إلى نقل القضاة والمدعون العامون إلى مجلس القضاء الأعلى للعمل في المحاكم الاتحادية عند انتهاء أعمال المحكمة أو أحالتهم على التقاعد عند أكمال أي منهم السن القانونية وقد نشرت تلك الأفكار ، وهذه المحكمة شرعية وعراقية وتتشكل من عراقيين ، وتستند على القوانين العراقية ، وتعتمد القوانين الدولية وحقوق الإنسان ، بالإضافة إلى أنها تتشكل من خمس قضاة في كل محكمة جنايات وتخضع لطرق الطعن أمام الهيئة التمييزية وعليه فأن أداء المحكمة كان جيدا وقانونيا وقراراتها عادلة ، والمحكمة مستقلة لاسلطان للسلطة عليها ، واستقلاليتها تعزز من عدالة قراراتها
لافا خالد: ألم تتسرع الحكومة بإعدام صدام فبموته دفنت أسرار وأنقذت رؤوس كثيرة من المقصلة لا بل هناك ملفات غُيبت لدول متورطة في جرائم ما حدث ؟ لما قرار الإعدام المبكر وهل كان الإعدام بقرار سياسي أم هو حكم قضائي طبيعي ؟
ج:بعد أن صدر القرار واكتسب الدرجة القطعية خرج من يد القضاء ، وصار التنفيذ بيد السلطة التنفيذية ، وكان الواجب أن تلتزم تلك السلطة بالنصوص الخاصة بالإعدام ، غير أنها ولأسباب وظروف تتحملها قضت بالتنفيذ بتلك الطريقة التي انتقدناها ، ولا نعتقد بأن التنفيذ كان من اجل أن يخفي صدام بعض الأسرار فقد تكشفت تلك الأسرار ، ومهمة التحقيق إذا كان متناسبا مع حجم الجرائم ومستوعبا عمله ومهمته الوطنية ، ينبغي أن يكشف كل تلك الأسرار، والإعدام تم على أساس تنفيذ قرار حكم قضائي بات ولذا فهو تنفيذ لقرار قضائي .
لافا خالد : كيف تقرأ تشكيلة المحاكمة وقضاتها ومحاميها ووجود عرب وأجانب في قاعة محكمة كل أبعادها أحداث عراقية بامتياز
ج: تشكلت هذه المحكمة بصدور قانون المحكمة الجنائية العليا الذي أقرته الجمعية الوطنية طبقاً للفقرتين أ و ب من المادة الثالثة والثلاثون والمادة السابعة والثلاثون من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية والمنشور في جريدة الوقائع العراقية العدد 4006 في 18 / 10 / 2005 أصبح هذا القانون اعتبارا من تاريخ نشره نافذاً وملزماً ، كما اعتبرت قواعد الإجراءات وجمع الأدلة الخاصة بالمحكمة الجنائية العراقية العليا ملحقة لقانون المحكمة اعتبارا من تاريخ نشرها بنفس التاريخ ، وهي قواعد إجرائية وتفصيلية تضمنت ( 69 ) قاعدة تفصل عمل المحكمة ، وألغى هذا القانون حكماً قانون المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية رقم ( 1 ) لسنة 2003 وقواعد الإجراءات الصادرة وفقاً لأحكام المادة ( 16 ) منه اعتبارا من تاريخ نفاذ القانون الجديد في 18/10 .
أن هذا القانون جاء مؤسساً للمحكمة وهيكلها التنظيمي وطريقة اختيار القضاة والادعاء العام ، واختصاصات المحكمة وقواعد الإجراءات وجمع الأدلة وضمانات المتهم وإجراءات المحاكمة وطرق الطعن ، وجاء القانون محدداً لصلاحية المحكمة الجنائية العراقية العليا ومفسراً للعديد من اختصاصاتها وولايتها التي حددها حصراً في الجرائم التالية :
1- جريمة الإبادة الجماعية
2- الجرائم ضد الإنسانية
3- جرائم الحرب
4- انتهاكات القوانين المتمثلة بالتدخل في شؤون القضاء أو محاولة التأثير في أعماله وهدر الثروة الوطنية وتبديدها وسوء استخدام المنصب والسعي وراء السياسات التي تؤدي إلى التهديد بالحرب أو استخدام القوات المسلحة العراقية ضد دولة عربية .
ووجود محامين عرب وأجانب مسألة طبيعية ، وعلى المحكمة التقيد بالالتزام بقانون المحاماة العراقي ، هذا القانون يوجب على المحكمة أن تتحقق من صلاحية المحامين وكونهم يمارسون المحاماة في بلدانهم بالإضافة إلى استحصالهم موافقة نقابة المحامين العراقيين وموافقة وزير العدل ، وبعكس ذلك منعهم من الترافع والدخول ، وهو جانب كنا ننادي به والتزمت به المحكمة بعد حين
لافا خالد : هل تمنيت أن تكون ممن ينطقون حكم الإعدام بصدام ولو كنت قاضياً كيف كنت ستتصرف , كما قضاة المحكمة اليوم أم ماذا ؟
ج: الأمنية ليس في إصدار قرار بالإعدام ، فالقاضي لايتشفى بالمتهم عند إصدار الحكم ولا يحكم بعلمه الشخصي ولا تتدخل نوازعه الشخصية في القرار ، إنما هو يعكس حقيقة ما توفر من الأدلة ويوزن تلك الأدلة ليقم بتجريم المذنب أو تبرئته في القضية المعروضة أمامه ، كنت أتمنى أن أكون من ضمن كادر المحكمة القضائي ، ولقيت رغبتي ممانعة قوية من رئيس مجلس القضاء السيد مدحت حمودي لأسباب لا مجال لذكرها ، ولعلي ساهمت بشكل غير مباشر في توضيح مهمة المحكمة وتابعت بشكل دقيق جلساتها ، ونشطت في الكتابة والأعلام عنها ، وفي المحكمة اليوم أساتذة عملت تحت إشرافهم كقضاة وزملاء تخرجنا سوية من دورة واحدة وتلاميذ نجباء نتشرف بهم .
لافا خالد: بإعدام صدام المبكر في صبيحة العيد اعتبروه شهيدا وآخرون وجدوا فيه رمزاً ألم تخطا الحكومة في التوقيت؟ماذا عن علي الكيماوي الذي ترفض قوات الاحتلال تسليمه للسلطات العراقية ؟
ج: في قضية الأنفال كنت قد طالبت بأن يكون التحقيق بمستوى حجم الضحايا ، ولا يعنيني إن تم إعدام علي الكيماوي من عدمه ، المهم هو في كشف تلك المجزرة الإنسانية المروعة للعالم ، وتوثيق أحداثها وتوضيح صورها من خلال قرارات التجريم ، في قضية الأنفال لم تقم المحكمة بتوضيح معالم الصورة الحقيقية التي لقيها شعب كردستان في العراق ضمن هذه الحملات المروعة ، على المحكمة أن توثق تلك الجرائم توثيقا يليق بحجم التضحيات ويظهر خسة الجرائم المرتكبة وأجرام فاعليها ، وان يتم إخضاع جميع من اشترك بتلك الجرائم فعليا أو اشتراكا للتحقيق الجنائي ، وان يتم أنصاف الضحايا وأهاليهم ، و مهما يكن الأمر فأن المحكمة هي الأقرب إلى الحقائق ويقوم قضاتها بتدقيق وفحص الأدلة وهم الأكثر معرفة بتوفرها أو ضعفها ، واكرر إنني لأاعتقد إن المحكمة تلجأ إلى تصفية الحسابات لأنها متجردة من أن تكون إلى جانب احد الأطراف ، وعليها أن تكون حيادية وتعتمد الموضوعية والأسس القانونية ، وهو ما صار في جلسات المحكمة التي كان للقاضي العريبي وللمدعي العام منقذ الفرعون والمحامين من ممثلي الضحايا دورا أساسيا فاعلا فيها
لافا خالد : هل على الكرد أن يطووا صفحة المرارات والأنفال والأحزان كما ينادي بعض المثقفين العرب مثل الدكتور فهمي هويدي ؟
لما عليهم أن يدفعوا الضريبة مزدوجة دون عن غيرهم يُظلمون ويتنازلون أيضا عن حقوقهم ؟ أليس الحق مقصلة القانون لتضع الأمور في نصابها الصحيح وتؤسس لعراق جديد ؟
ج : صفحة المرارات لا تطوي ما لم يتم محاسبة القتلة والمجرمين ، وصفحة المرارات لا تطوي مادامت مفتوحة بشكل غير مباشر أو بأشكال أخرى في مناطق غير العراق ، فالأكراد كما نعرف تبعثروا وفقا للتقسيمات والمصالح الدولية ، ولهذا فهم موجودين تحت أكثر من سلطة تمارس عليهم نفس الاستعلائية والغبن والظلم ، والأكراد شعب مناضل وصبور ومقاوم تحمل كل هذا الزمن الظالم ، وتعارضت الاتفاقيات بين الدول الكبرى وحقوقه الإنسانية ، ولم يكن له طموح أو شعور بالرغبة في استعباد الغير أو استغلالهم أو احتلالهم ، وبقي يناضل من اجل حقوقه بتضحيات كبيرة ، ولهذا فأن العدالة والقانون هو المعيار الأساس الذي يتمسك به الكرد ، وهذا يعزز الجانب الإنساني لديهم ، وارتفاعهم على شهوة الانتقام والتشفي ، وهذا يزيدهم نبلا ويثبت عمليا قيمهم الإنسانية ، وهم ساعون من اجل بناء القواعد الأساسية للعراق الديمقراطي الفيدرالي ، وهم جزء من حلول مشاكل العراق
لافا خالد : من موقعك كقاضي كيف تقرا الجرح الفيلي وكيف تحكم في قضيتهم ؟
ج: الكرد الفيلية جرح كبير لم يندمل حتى اليوم ، ولم يتم الالتفات لهم وإنصافهم ، ولم يقدم البرلمان العراقي على موقف يمكن أن يكون بالحد الأدنى من تضحياتهم الجسام ، وهؤلاء أعطوا للعراق بشكل لافت للنظر ، وهؤلاء تحملوا من ظلم صدام ما لم تتحمله كل الشرائح الأخرى ، ووجدت كما وجد غيري أن ما صار إليه حالهم لا يمكن معه السكوت ، فبادرت العديد من الأقلام تدعو لأنصافهم وإعادة حقوقهم ، وتعالت تلك الأصوات ، ولعلي ساهمت بجزء من هذا الصوت ، وطالبت في أكثر من منبر بأنصافهم وتكريمهم وإعادة حقوقهم مع التعويضات ، وقدمت مشروعا إلى المعهد الجنائي الدولي حول تعويض المتضررين من سياسة النظام البائد ، كما قمت باستكمال كتابي ( المسؤولية القانونية في قضية الكورد الفيليين ) وهو يطبع هذه الأيام عن دار آراس في اربيل ، وسأبقى مدافعا عنهم بالنظر لما المسه من حجم الظلم الذي حل بهم ، بالإضافة إلى الإجحاف والتهميش الذي يلقونه اليوم وحتى نقتنع إن البرلمان حقق لهم حقوقهم الدستورية نبقى معهم
لافا خالد : يعتبر القاضي عبود أكثر من أعطى الأقليات حقوقهم عبر كتاباته في عراق يعاني التمزق اليوم, هل ترجمت بعض أفكارك عمليا في دعم حقوق بعضاً من تلك الأقليات التي عانت التهميش
ج: للأقليات مكان كبير في ضميري ، يمكن أن تكون نشأتي في صغري وشبابي والمحطات التي رافقت رحلتي لها تأثير كبير على ذلك ، فقد كانت علاقتي بعائلة يهودية في الصف الأول الابتدائي بمدينة الديوانية ، وكنت زميل لولد بعمري لتلك العائلة ، ولن انس حنان تلك الأم وترتيبها لشعري عند ذهابنا سوية للمدرسة ، كما كانت لي علاقة منذ أواخر الخمسينات وحتى اليوم مع عائلة مسيحية تنقلت حتى استقرت في أوربا ولم تنقطع علاقتنا ، وكانت لي علاقة مع المندائيين ولهم فضل كبير علي ، ثم صارت لي علاقة حميمة مع الأيزيدية ولهذا فأنني حين أدافع عنهم أتوسم إنني أدافع عن الحقيقة وحق الإنسان العراقي ، فهؤلاء من بناة العراق وحجر أساسه ، وهم أهلي وإخوتي وأتوسم أن الكثير مثلي من يقف موقفي ، ولذا بادر جمع من الكتاب والأسماء العراقية المناضلة إلى تأسيس هيئة الدفاع عن الديانات العراقية القديمة ، كما بادرت للدفاع عن الأيزيدية والمندائية في مجالات عدة ، واستطعنا أن ندخل اسميهما في الدستور ، ولكنني أقول أن جهدنا دون الطموح ، فلم نزل نناضل ضمن عدة جبهات من اجل إنصاف هذه المكونات ، علما أن هناك مكونات عراقية أخرى كالكرد الفيلية والشبك والتركمان وهناك أيضا الكاكائية والجرجرجية والصارلية والعديد من المكونات التي ينبغي أن تأخذ حقها ضمن أطار الديمقراطية والفيدرالية .بأنها مهددة بالانقراض
لافا خالد : الكثيرون يحسبونك على الايزيدية لعمق ما كتبت عنهم , كيف تعرف بهم وبحقوقهم وهي الفئة المنغلقة نوعاً ما على ذاتها لحسابات كثيرة , من تحمل مسؤولية عدم انفتاح أقليات العراق بعضها على بعض ؟
ج3 : الأيزيدية من مكونات العراق الأساسية ، وديانة عريقة غارقة في القدم ، ومجتمع مظلوم ومنكوب ، ولم أكن مطلع على تلك ا لحقائق إلا عند انتقالي وعملي في القضاء العراقي بمدينة الموصل ، حيث تعرفت عليهم وعلى حقائقهم عن قرب ، وبدأت رحلة البحث والتقصي ، وما زادني إصرارا تكليفي بإدارة أعمالهم في محكمة المواد الشخصية إضافة لعملي كقاض لمحكمة البداية واستطيع الزعم بأن أقول أن الأيزيدية من الأديان العريقة والممتلئة بالقيم الإنسانية ، بالإضافة إلى أن المجتمع الأيزيدي وهو مجتمع كردي يتميز بأصالة وقابلية على التحمل والبساطة والطيبة ، واستطعت أن أكون معلومات متواضعة عنهم لعلها تصب في الجانب المنصف من حياتهم وشؤونهم الدينية ، وتمكنت من إصدار كتابي الأول ( لمحات عن اليزيدية 1994 ) وانأ لم أزل قاضيا في الموصل وبعدها أعيد طبعه في لندن 2000 بعد خروجي من العراق ، ثم كتبت ( الأيزيدية حقائق وخفايا وأساطير ) ومن ثم ( عدي بن مسافر مجدد الديانة الأيزيدية ) وبعده ( طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية ) وأخيرا ( التنقيب في التاريخ الأيزيدي القديم ) ، ولم أزل تلميذا أسعى لتطوير معرفتي المتواضعة عنهم ، واليوم بدأت أقلام ايزيدية ترتفع وتكتب الحقائق وتدافع بعلمية عن ديانتهم وحقيقة مكونهم الاجتماعي
لافا خالد : لنتكلم في المشهد السياسي قليلاً ما هو حكمك النهائي على ما يجري في العراق , هل هي حرب أهليه , أم حرب على أهل العراق كما وصفها الوزير زيباري ؟
ج: في العراق اليوم حرب طائفية بين رؤوس سياسية تتعكز على هذه الطائفية ، ودون تلك الطائفية لا يمكن لهذه الرؤوس أن تحتل حيزا في العمل السياسي ، تزامنت تلك الحرب الطائفية مع هجمة إرهابية دولية تشترك بها التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها القاعدة ، وتمتد إلى تنظيمات سلفية وتكفيرية تريد النيل من كل العراقيين ، وامتدت أيادي دول الجوار وفقا لحساباتها تريد الاستمرار في موت العراقيين ونكبتهم ، ولهذا ترصد قتل الفقراء من العمال والباحثين عن الرزق والمتطوعين في الشرطة والجيش لقتلهم ، أو في العمليات التي تقوم بها المجموعات الإجرامية في الاغتيال والخطف ، وهي حقا حرب على أهل العراق
لافا خالد : بالمختصر كيف ترى مستقبل العراق هل هو مرهون بانسحاب المحتل أم ماذا؟
ج: من ضمن صورة المستقبل العراقي انسحاب المحتل ، وهو يرتبط بقدرة الدولة على استتباب الأمن وحفظ حياة الناس وسيادة القانون ، والاحتلال مرهون بقرار دولي وطلب الحكومة ، ولا يمكن أن يستمر إلى الأبد ، ولا اعتقد ان عراقي واحد مهما اختلفت أفكاره يرغب في بقاء المحتل على أراضيه ، وبعد أن يتمكن العراق الانتصار على التنظيمات الإرهابية وطرد عناصر التكفير ونبذ الطائفية ، وان يتم اعتماد الكفاءة والوطنية وأن يصار إلى تطبيق سياسة حقوق الإنسان ، حينها نبدأ الخطوات العملية في رسم المستقبل الديمقراطي لأهلنا ، وهذا الأمر يتناسب مع حجم التضحيات العراقية ، وهو موقف يتطلب التوحد الوطني والجبهة الوطنية التي تسعى لهذه الدولة