المقالات
العراق
الغناء العراقي المهاجر ينتعش في بغداد
بقلم أحمد السعداوي
22/7/2007
عن شبكة نقاش
تصدح إغنيات حسام الرسام ـ وهو من الجيل الاحدث من المطربين العراقيين ـ في الأماكن العامة، والأسواق داخل بغداد، وهو مطرب ذو شعبية كبيرة لدى المراهقين والشباب الصغار. الأمر الطريف أن الرسام لم يغن في أية حفلة داخل العراق، ولا يقيم أو يسجل أغانيه، فهو مثل غالبية المطربين العراقيين من جيله، انبثق هناك، ما وراء الحدود.
وانتعاش الغناء العراقي في الخارج ظاهرة مرتبطة بحبل متين بتردي الاوضاع الامنية داخل العراق، وغياب النشاط الفني وتوقف العديد من مفاصله، بعد هيمنة التيارات الدينية المتشددة على الساحة السياسية والاجتماعية في البلاد.
قبل سقوط نظام صدام كان المطرب الناشئ يحظى بجواز مرور الى الساحة الفنية بمجرد ان يسجل أغنية تمدح صدام، وتبثها القناة التلفزيونية الرسمية، واضطر العديد من المطربين الشباب في حقبة التسعينيات الى انتهاج هذا الاسلوب، وتكراره في بعض الاحيان من اجل التأكيد لرجالات النظام البعثي داخل الاروقة الفنية على ولاء الفنان للنظام، وكان سفر المطرب الى الخارج من اجل احياء حفلات او تصوير أغنية لا يتم في كثير من الاحيان دون اجراءات امنية واستخبارية، وكثيراً ما شكى بعض مرافقي كبار الفنانين أو من يعملون موسيقيين في فرقهم الفنية بأن الملاحقات والمتابعات الامنية تظل وراءهم أينما حلوا، وفي أي عاصمة عربية. وهي اجراءات ظلت في الاعم الاغلب في حدود المراقبة والتأكد من ولاء الفنان للنظام.
ظاهرتان طبعتا الغناء العراقي الشبابي خلال حقبة التسعينيات، هذه الحقبة التي شهدت بروز كاظم الساهر كنجم غنائي عراقي على الساحة العربية وتأثر بعض الفنانين الشباب داخل العراق به وبأسلوبه.
الظاهرة الاولى كانت وصول الاغاني المعنية بمدح النظام القائم ورأس السلطة الحاكمة الى مستويات عالية من الابتذال وصلت حد التغني بشوارب الرئيس وبأولاده، والى الحدود التي بدت فيها أغنيات كهذه تظهر مباشرة بعد يوم واحد او يومين من إلقاء (الرئيس) لخطبة او كلمة ارتجالية في لقاء روتيني مع مجموعة من ضباط الجيش او شيوخ العشائر، فتجعل الاغنية الجديدة احدى كلمات (الرئيس) في هذا اللقاء محور الاغنية الجديدة. وكانت هذه الاغاني شبابية في أغلبها.
الظاهرة الثانية كانت طغيان الغناء الشعبي، فتسيدت الايقاعات الصاخبة على موسيقى الاغنيات الجديدة، ودخل الى الساحة جملة من المطربين الذين كانوا حتى ذلك الوقت معروفين على نطاق الكاسيت حصراً كمطربين يغنون في المناسبات والاعراس. ثم شهدنا مع مطلع الالفية الجديدة موضة العودة الى اغنيات فترة السبعينيات في العراق، وإعادة تسجيلها من قبل المطربين الشباب، على الرغم من وجود اصحاب الاغنيات الاصليين، واستمرارهم بالغناء. هناك من المعنيين بالشأن الموسيقي في العراق من يعتبر ان التنوع في الاساليب والاتجاهات، والجرأة على الاقتباس والتوظيف من الموسيقى العالمية والاقليمية (الكردية والتركية واليونانية والخليجية وما الى ذلك) فتح فضاءً واسعاً وغير مسبوق امام الاصوات الجديدة. وعلى الضفة المقابلة سنجد ناقداً موسيقياً مثل عادل الهاشمي يعتبر الامر برمته كارثة حقيقية اصابت الغناء العراقي، ويتهم نقاد آخرون أكثر انفتاحاً الهاشمي بتوقف ذائقته عند فترة رضا علي ومحمد عبد الوهاب، وعدم المرونة في اطلاق الاحكام، أو الرغبة في تفهم الموجات الجديدة من الغناء العراقي.
في كل الاحوال هناك من تأثر بأقوال الهاشمي من المطربين الشباب، وبالاتجاه الرومانسي في الاغنية العراقية، وأنصت الى التراث جيداً، الى حد المطابقة والاستنساخ مثل المطرب الشاب أحمد الصياد الذي استوحى اسلوبه الغنائي من الفنان الراحل رياض احمد ذي المسحة الريفية، ويعتبر البعض ان الصياد صاحب امكانية صوتية عالية تنافس العديد من مجايليه الشباب، لكنه من الاقل ثقافة بينهم، واختياراته محدودة.
إن حسام الرسام ذي الشهرة الطاغية حالياً بدأ مؤدياً لأغاني ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ولأغاني المطربين السبعينيين الذين يعتبرون في العراق النجوم الأكثر سطوعاً في تاريخ الموسيقى والغناء في العراق. من امثال ياس خضر وحسين نعمة وقحطان العطار وفؤاد سالم وفاضل عواد وآخرين. لكن الرسام لم يحض بالشهرة الكافية بالتزامه هذا النمط من الغناء، فأتجه من اقصى اليمين الى اقصى اليسار (وربما بالعكس!) فظهر باغنيات صاخبة يغلب عليها الايقاع الشعبي، فحقق في فترة وجيزة ما كان يحلم به من شهرة، خصوصاً لدى فئة الشباب، التي يبدو ان من بينها جمهوره الاعرض والاوسع.
الرسام من المحظوظين بكل تأكيد لأنه لم يضطر للغناء لصدام، ولم يشهد تلك الحقبة القاسية التي كان يجبر فيها بعض الفنانين على الغناء عراة أمام مائدة (الرئيس) او أبنه عدي، ولم يجبر على تلقي الاهانات والحبس والضرب المخزي على ايدي جلاوزة وحمايات ابن الرئيس نتيجة تغير في المزاج ليس إلا. ولكنه غير قادر كما يبدو على الغناء داخل العراق الآن، وهو وضع يشترك فيه حتى مع الرواد من المطربين، الذين هاجروا ايضاً الى دبي او سوريا او عمان، ونقلوا نشاطهم الفني الى هناك.
الأجواء داخل العراق غير صالحة لعمل من هذا النمط، فضلاً عن عدم صلاحيتها لأنشطة فنية متعددة أخرى كالعروض المسرحية وعروض السينما. فمثل هذه الأنشطة تنتعش عادة في فترة الليل، وهي فترة ميتة حالياً داخل بغداد، بسبب حضر التجوال الأمني. كما إن أحداً من الفنانين لا يستطيع الاطمئنان الى سلامته، وعدم تعرضه للاعتداء على أيدي الجماعات المتطرفة.
وتبقى اشرطة الفنانين الشباب وأغانيهم المصورة التي تبثها القنوات الفضائية العربية، والتي تلتقط بشكل اعتيادي داخل العراق، هي السائدة، تساندها جرأة اجتماعية محدودة على محرمات الجماعات المسلحة، حيث تغيرت المواد الصوتية التي كانت تبث في مواقف السيارات الرئيسة داخل العاصمة (على سبيل المثال) مقارنة مع الفترة التي أعقبت سقوط النظام مباشرة، فانتشرت الاغاني الشعبية وتراجعت الأشرطة التي تضم تواشيح واغاني دينية بالتدريج. كما ان سماع أغنية لحسام الرسام او ماجد المهندس وبعض المطربين والمطربات العرب في أجهزة الموبايل لدى الشباب اصبح أمراً شائعاً، حتى في تلك المناطق التي تسيطر عليها جماعات التشدد الديني.
مقارنة بعقد السبعينيات، الذي يعتبر العصر الذهبي للغناء العراقي، فأن كل شيء قد تغير الان، وتغير بشكل كبير، واصبح البعض يقارن الغناء العراقي المزدهر في العواصم العربية بالغناء الإيراني، الذي يصدر الى ايران من المهجر الاوربي والاميركي منذ أكثر من ربع قرن. وينظر آخرون الى هجرة الغناء العراقي على انه وضع طبيعي، مع تركز الكارتلات الفنية في مدن عربية محددة كمدينة دبي، والتي يتجه اليها اغلب الفنانين من مختلف البلدان العربية، كما ان عصر العولمة الداخل بقوة الى العالم العربي، جعل الجغرافيا الافتراضية للقنوات الفضائية هي المكان الطبيعي والمركزي للمطرب والموسيقي، ولم تعد تعنيه جغرافيا الوطن اكثر من كونها مصدراً ثقافياً من المصادر العديدة الاخرى.
المفقود من هذه الصورة هو البعد الاجتماعي للفن الغنائي في حياة العراقيين، الذين يروي كبار السن منهم، قصصاً عنه، حيث الحفلات والامسيات التي يحضرونها في المطاعم والكازينوهات والمسارح داخل بغداد لمشاهدة أحد المطربين وهو يغني حتى ساعات متأخرة من الليل، وهي تجارب تبدو الآن أشبه بحلم سرعان ما ينقشع على صوت الاطلاقات النارية المجهولة التي اعتاد سكان بغداد وهم في منازلهم على سماعها ليلاً. بالاضافة الى حضور القنوات الفضائية الغنائية والموسيقية، ومنها تلك التي تعرض كلاسيكيات الغناء العربي، والتي تضعف بطبيعتها من قيمة أي نشاط اجتماعي فني، كأقامة حفلة في مسرح.
شخصياً كانت آخر حفلة حضرتها، هي للفرقة السميفونية الكردستانية في السليمانية، وفي ذلك المساء كان ذهني ينشطر تلقائياً ما بين الاداء الساحر لكورس المطربين الكورد، وصورة بغداد في تلك اللحظة. والجمع ما بين هاتين الصورتين يشكل مفارقة يصعب نسيانها.
كان أكثر البغداديين الذين حضروا هذه الحفلة يجمعون على حسرة واحدة، أن يأتي يوم يستطيعون فيه حضور نشاطات فنية مشابهة هناك في العاصمة.